فخر الدين الرازي

206

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي يَهْدِي بفتح الياء وكسر الدال والباقون : لا يهدى بضم الياء وفتح الدال . أما القراءة الأولى : ففيها وجهان : الأول : فإن اللّه لا يرشد أحدا أضله ، وبهذا فسره ابن عباس رضي اللّه عنهما . والثاني : أن يهدي بمعنى يهتدي . قال الفراء : العرب تقول : قد هدى الرجل يريدون قد اهتدى ، والمعنى أن اللّه إذا أضل أحدا لم يصر ذلك مهتديا . وأما القراءة المشهورة : فالوجه فيها إن اللّه لا يهدي من يضل ، أي من يضله ، فالراجع إلى الموصول الذي هو من محذوف مقدر وهذا كقوله : مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ [ الأعراف : 186 ] وكقوله : فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [ الجاثية : 23 ] أي من بعد إضلال اللّه إياه . ثم قال تعالى : وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ أي وليس لهم أحد ينصرهم أن يعينهم على مطلوبهم في الدنيا والآخرة . وأقول أول هذه الآيات موهم لمذهب المعتزلة ، وآخرها مشتمل على الوجوه الكثيرة الدالة على قولنا ، وأكثر الآيات كذلك مشتملة على الوجهين ، واللّه أعلم . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 38 إلى 40 ] وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 38 ) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ( 39 ) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) [ في قوله تعالى وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إلى قوله أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ] وفيه مسألتان : المسألة الأولى : اعلم أن هذا هو الشبهة الرابعة لمنكري النبوة فقالوا القول بالبعث والحشر والنشر باطل ، فكان القول بالنبوة باطلا . أما المقام الأول : فتقريره أن الإنسان ليس إلا هذه البينة المخصوصة ، فإذا مات وتفرقت أجزاؤه وبطل ذلك المزاج والاعتدال امتنع عوده بعينه ، لأن الشيء إذا عدم فقد فنى ولم يبق له ذات ولا حقيقة بعد فنائه وعدمه ، فالذي يعود يجب أن يكون شيئا مغايرا للأول فلا يكون عينه . وأما المقام الثاني : وهو أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة وتقريره من وجهين : / الأول : أن محمدا كان داعيا إلى تقرير القول بالمعاد ، فإذا بطل ذلك ثبت أنه كان داعيا إلى القول الباطل ومن كان كذلك لم يكن رسولا صادقا . الثاني : أنه يقرر نبوة نفسه ووجوب طاعته بناء على الترغيب في الثواب والترهيب عن العقاب ، وإذا بطل ذلك بطلت نبوته . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ معناه أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن الشيء إذا فنى وصار عدما محضا ونفيا صرفا ، فإنه بعد هذا العدم الصرف لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئا آخر غيره . وهذا القسم واليمين إشارة إلى أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن عوده بعينه بعد عدمه محال في بديهة العقل : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ على أنهم يجحدون في قلوبهم وعقولهم